الأحد، فبراير 14، 2010

البنا والقصر

" لا أنا المفروض ما أدعمش الإخوان المسلمين أنا أدعم الوفد اللي بيتحداني واللي بيشتغل ضدي على طول الخط...ناس من يوم ما مسكت وهم تحت طوعي وبتسمع كلامي وبيحبيوني ومساعدهمش ليه "
الملك فاروق متحدثا إلي محمود النقراشي رئيس وزراء مصر في بداية وزارته رافضا موقف النقراشي السلبي من جماعة الإخوان المسلمين هذه الجملة لم تأتي في مذكرات الملك فاروق أو رئيس وزراءه بل في الحلقة 19 من سيناريو مسلسل حسن البنا الذي تنتجه جماعة الإخوان المسلمين
وهو ما يفتح باب الجدل تاريخيا عن علاقة الإخوان بالقصر الملكي في هذا المرحلة من تاريخ مصر ودور حسن البنا في توطيد علاقته برؤس الدولة التي أمرت بقتله في نهاية المطاف تخوفا من طموحاته التي لا تقف أمامها الحدود ولا القصور العالية
فقد اهتم حسن البنا مبكرا بأن تكون علاقة جماعته جيدة بالقصر الحاكم في مصر لتأمين حركة دعوته وهو أيضا من باب الدعوة فاذا صلح الحاكم صلحت معه رعيته لذا فقد قام بمخاطبة الملك فؤاد الأول في نهاية حكمه حيث لاحظ البنا انتشار عدد من المدارس التبشيرية التي تدعو المسلمين الي التنصير فأرسل للملك فؤاد عريضة باسم مجلس شوري الجماعة يطالبه فيها بفرض الرقابة الشديدة على هذه المدارس والمعاهد والدور التبشيريه والطلبة والطالبات فيها إذا ثبت اشتغالها بالتبشير وسحب الرخص من أي مستشفي أو مدرسة يثبت أنها تشتغل بالتبشير وإبعاد كل من يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد وإخفاء البنين والبنات
وقد حرص البنا أن يظهر ولائه واحترامه الشديد للملك فخاطبه قائلا : "إلي سدة صاحب الجلالة الملكية حامي حمى الدين ونصير الإسلام والمسلمين مليك مصر المفدى يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المجتمعون بمدينة الإسماعيلية برفع أصدق آيات الولاء والإخلاص للعرش المفدى ولجلالة المليك وسمو ولي عهده المحبوب ويلجئون إلى جلالتكم راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده "
وعندما توفي الملك فؤاد نعته مجلة الإخوان بمانشيت كبير بعنوان «مات الملك يحيا الملك» في اشارة لاستقبالهم ومباعيتهم لخليفته فاروق الذي كان عمره 14 عاما , كما كتبت المجلة ناعية فؤاد «مصر تفتقد اليوم بدرها في الليلة الظلماء، ولا تجد النور الذي اعتادت أن تجد الهدي علي سنا فمن للفلاح والعامل، من للفقير يروي غلته ويشفي علته، ومن للدين الحنيف يرد عنه البدع، ومن للإسلام يعز شوكته ويعلي كلمته ومن للشرق العربي يؤسس وحدته ويرفع رايته».
ولما تولي فاروق ملك مصر خلفا لأبيه رأي البنا أن أقصر طريق لتحقيق أهداف الدعوة والأخذ بالأسلوب الإسلامي في إصلاح البلاد يكون بالإتصال بهذا الملك الشاب واقناعه بالدعوة ويقول المؤرخ الإخواني محمود عبدالحليم في كتابه " الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ "أن الأمر كان يعني اقناع الملك بأن انتماؤه لهذه الدعوة سيصلح البلاد ويحفظ له عرشه
وفي سبيل إبراز هذه الفكرة إلي حيز الواقع اتصل البنا برجل كان يراه محايدا ومؤمنا بصدق وطنيته ونزاهته ، وكان في نفس الوقت من أقرب الشخصيات إلي الملك في هذا الوقت حيث كان أستاذه من قبل وهو " علي ماهر باشا " والذي كان من القلائل الذين يتفهمون فكرة الإخوان ويقدرونها كما يقدر هو الأستاذ المرشد أيضا , و يقول عبدالحليم محمود في كتابه أن ماهر كان يري ما كان يراه البنا من أن أقرب الطرق وأسلمها لإصلاح هذا البلد هو في إقناع الملك بدعوة الإخوان وانتمائه لفكرتهم واستناده إلي صفهم . وكان الإخوان قد أقاموا في صيف عام 1938 معسكراً ضخمًا في "الدخيلة" بالإسكندرية وكان الإخوان من مختلف البلاد يفدون إلي هذا المعسكر ليقيموا فيه أيامًا يرجعون إلي بلادهم ليفد غيرهم ... وكان الأستاذ المرشد شبه مقيم بهذا المعسكر
وفي يوم من الأيام طلب البنا من الجميع أن يرتدوا زى الجوالة وهو قد سبقهم بارتداء الزي نفسه ، ثم أخبر الإخوان في المعسكر أن الملك سيؤدي اليوم صلاة الجمعة في مسجد سيدي جابر وبأنهم سيكونون في استقباله أمام المسجد ويصلون معه الجمعة ؛ وهوما كان قد رتبه البنا مع ماهر في وقت سابق , وتجمع أكثر من مائة من جوالة الإخوان يتقدمهم المرشد بملابس الجوالة ، وحضر الركب الملكي يتقدمه الملك بجانبه علي ماهر – وكان في ذلك الوقت رئيسًا للديوان الملكي فحياه الإخوان هاتفين له وللإسلام ؛ فأخذ علي ماهر بيد البنا وقدمه للملك فسلم عليه الأستاذ مصافحًا باحترام دون تقبيل يده كما كان العرف في ذلك الوقت – ودون انحناء .
ويقول عبدالحليم أن الإخوان بسذاجتهم في هذا الوقت وحسن ظنهم بالله ظنوا أن الله قد اختصر لهم الطريق واختار لهم " غير ذات الشوكة " وأن هذا الشاب – فاروق - الذي يبدو وادعًا في مظهره ، وبجانبه الرجل العاقل علي ماهر لابد أنه سيتجه اتجاهًا إسلاميًا فيسعد ويسعد الناس ... ولم نكن نعلم ما خبأه القدر لنا كدعوة ولهذا الشاب كملك طائش مغامر ... وكأنه قد غاب عنا أن حاشية هذا الشاب . وإن كان فيها علي ماهر فإن فيها ألف شيطان .
واحتفي البنا بالملك الجديد حتي أنه عندما ركب القطار الملكي إلي القاهرة عائدا من انجلترا
احتشد الإخوان علي طول الطريق وجوالتهم في محطات السكة الحديد لتحية الملك , ويذكر الدكتور رفعت السعيد في كتابه عن الإخوان أنه بعد احتفالات ومهرجانات ومسيرات مليئة بالبهجة تجمع الإخوان عند بوابات قصر عابدين هاتفين للملك «نهبك بيعتنا وولاءنا علي كتاب الله وسنة رسوله»
بل زادت الجماعة في ذلك أنه حين اختلف فاروق مع حكومة النحاس خرج الإخوان حسب رواية السعيد يهتفون «الله مع الملك» وتباهي الإخوان كثيرا بأن جلالة الفاروق خرج إلي شرفة القصر ست مرات ليحيي مظاهرتهم. وتقول جريدة البلاغ «أن جلالة الملك كان بالغ السعادة بشعار الله مع الملك، وكان يردد نعم الله معنا».
وينقل السعيد عن السير مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني إلي وزارة خارجيته «أن القصر الملكي قد بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة، وأنه أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم بعدم التدخل في أنشطة الإخوان، ولا شك أن الجماعة قد استفادت كثيرا من محاباة القصر لها كما نالت التأييد المادي والمعنوي من علي ماهر».
وتعاقبت علي البنا 12 حكومة اختلفت مواقفها من جماعة الإخوان كما اختلفت مصالح الجماعة معها وعندما قرر البنا ترشيح نفسه باسم الإخوان في الانتخابات النيابية عام 1942 فطلبه النحاس باشا ورجاه أن يتراجع عن هذا الترشيح فوافق البنا بشرط وجود ضمانات بقيام جمعيات الإخوان في المحافظات وعدم الوقوف في سبيلها وعدم مراقبتها والتضييق علي أعضائها للحد من نشاطهم فوعده النحاس بما طلب " .
ولعل الحدث الجلل الذي توقفت عنده القوي الوطنية من مواقف الإخوان مع الحكومات في عامي 1945 و1936 وموقفها من حكومة اسماعيل صدقي , واذا بالإخوان تتخذ خطا سياسيا مخالفا لاجماع الحركة الوطنية، واذ بها تؤيد صدقي وتؤيد مشروع " صدقي بيفن " , ولكن البنا برر ذلك بأن صدقي آتي الإخوان وأكد لهم أن يحتاج لتأيدهم حتي يستطيع أن يستقوي بهم أثناء مفاوضاته مع الإنجليز واشترط البنا عليه عدم التنازل عن الحد الأدني من مطالب البلاد في الجلاء والاستقلال ووحدة وادي النيل ... ووافق صدقي باشا علي الحد الأدنى من المطالب الذي حدده الأستاذ المرشد وأعطي العهد والميثاق بذلك علي نفسه .
إلا أن الإخوان راجعوا موقفهم من صدقي بعد اخفاقه في المفاوضات مع الإنجليز وتراجعوا عن تأييده
وومع تطور وتوسع حركة الإخوان علي المستوي الديني والسياسي في مصر باتت حركة مقلقة للجميع خاصة بعد كونت حركتها العسكرية – النظام الخاص – لمواجهة الإحتلال الإنجليزي وباتت لحسن البنا كايرزما لا يستطيع أحد أن ينكرها فختارته مجلة المصور عام 1945 بعد استفتاء القراء رجل العام و مع حلول عام 1948 كان الموقف قد تحول إلى النقيض تماما فأصبح البنا عدوا للجميع ومصدرا للقلق فقد تحالف مع عزيز المصري قائد الجيش السابق الذي ضغط الإنجليز علي فاروق لعزله , وبدأ في تجنيد عناصر له داخل الجيش والذي كان منهم وقتها أنور السادات حيث أول رجال الثورة الذي تعرفوا علي الإخوان ولكن أثار قلق القصر ما حدث من انقلاب في اليمن وكان أول انقلاب في العالم الإسلامي، حيث اُغتيل الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضين لحكمة بزعامة عبد الله الوزيري، وتم نقل أن حسن البنا كان دور كبير في دعم وتنشيط هذا الانقلاب وتردد أن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة نبتت في المركز العام للجماعة وبالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى
ويحلل الدكتور عصام العريان عضو مكتب الإرشاد والشرف عن القسم السياسي أن البنا لم يكن في مخططه حسن أن ينتقل هذه النقلة إلى خارج مصر إلى اليمن أو غيرها بطريفة انقلابية ولكن ظروف اليمن نفسها والأوضاع التي كانت فيها كانت تدفع كل مسلم ومخلص إلى مد يد العون لأي إنسان يريد إحداث تغيير حقيقي
وتطورت الأحداث وزادت كراهية الجماعة لدي القصر باشتراك الإخوان في حرب فلسطين
وكانت جريدة الإخوانقد دعت الجيوش العربية إلى دخول الحرب وشارك حسن البنا في تشكيل لجنة وادي النيل لجمع الأموال والسلاح للمتطوعين وفي عام 1948 قامت كتيبة من فدائي الإخوان بالرد على مذبحة دير ياسين فقاموا بتفجير مستعمرة كفار دروم ثم حاولوا مهاجمة مستعمرة دير البلح
إلا أن البنا حاصره أيضا الأفعال الطائشة للنظام الخاص الذي كان يقوده وقتها عبدالرحمن السندي الذي اغتالت مجموعة من رجاله القاضي أحمد الخازندار الذي حكم علي مجموعة من شباب الإخوان حكما قاسيا وفي نهاية نفس العام تلقي البنا ضربة جديدة اذا كشف البوليس السياسي عن طريق المفاجأة عناصر التنظيم الخاص وقياداته والذين اعتقلوا جمعيا فيما عرف وقتها بقضية السيارة الجيب التي عثر فيها علي أوراق كاملة
تدين النظام الخاص عن حوادث التفجير التي وقعت في الشهور الأخيرة، كل هذا تم عن طريق المصادفة لكنها مصادفة أهدت البوليس المصري دليلا قاطعا لإدانة الجماعة وعقلها المدبر وبدأ بعدها مسلسل اعتقال الإخوان
وهو ما دعا حكومة النقراشي اصدار قرار حل الجماعة المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها، واعتقال كل أعضاء الجماعة عدا البنا الذي انفلت من العقد حيث قررت مجموعة من رجال النظام الخاص المتبقين اغتيال محمود النقراشي ثأرا لقرار حل الجماعة
فما كان من الملك فاروق إلا أن يأمر بإنهاء أسطورة البنا الذي شعر أنه ينافسه علي كرسي مصر عندما آتت له حاشيته بنتيجة عليها صورة حسن البنا فسأل هل هذا هو ملك مصر الجديد حتي ترفع صوره هكذا
فاغتيل البنا في 12 فبراير عام 1949 ظنا أن أسطورة هذه الجماعة ستنتهي معه
ورغم ذلك لم يكن البنا حتي آخر لحظات حياته ليعلن تمرده علي القصر الملكي , حيث كشف أخيه المفكر الإسلامي جمال البنا في سلسلة كتبه التي تحمل اسم "من وثائق الإخوان المسلمين المجهولة " عن حوار صحفي أجراه أبو الخير نجيب رئيس تحرير جريدة الجمهور الحر وذبك قبل وفاته بأسبوعين وسأله أبو الخير عما قيل من اتهامات لحل الجماعة وقتها أن لها أغراضا انقلابية وأن ولائهم للعرش مشكوك فيه , فأجاب البنا بشكل واضح قائلا له حسب الوثيقة : " إن هذا ادعاء باطل من أساسه وإني أتحدي من يقيم عليه دليل يؤيد صحته " .. " إن ولاءنا للعرش لا ينكره إلا مكابر , وهل من مصلحة العرش في شئ , وهل من الواجب الولاء له يقتضي منهم أن ينشروا مثل هذه المزاعم في الداخل والخارج حتي يتشكك الناس في ولاء الأمة للعرش وخاصة أن ليس بمنكور أننا هيئة كبيرة لها الكثير من الأتباع والأنصار " وأضاف البنا لأبو الخير أيضا : " ولقد حاولت أن أبين هذه الحقائق ولكن ما حيلتي وقد حالت الرقابة علي الصحف بيننا وبين الدفاع عن أنفسنا , كما حالدولة عبدالهادي باشا – رئيس الوزراء الذي خلف النقراشي – عندما كان رئيسا للديوان أو رئيسا للحكومة أن نبسط لولاة الأمور حقيقة موقفنا وصدق ولائنا "
فقد كان البنا حريصا حتي آخر في يوم من عمره علي حسن الصلة مع القصر والحكومة حتي تستمر دعوته التي عرفتها مصر كلها في هذا الوقت

2 تعليق:

علاء عبد الرحمن يقول...

وهل حضرتك كقارىء لهذا التاريخ تنظر إليه على أن الإخوان دائما لهم مصلحة مع الأنظمة الحاكمة المستبدة أم انهم يتواصلون مع من يرون فيه منصفا ومعينا على نشر دعوتهم ضد دعوات الانحلال والتبشير آنذاك ؟.

للعلم يا أستاذ " عبد المنعم " المقال به أخطاء إملائية تحتاج لمراجعة من حضرتك

وبعد المراجعة لك الحق فى تحرير الجزء الأخير من تعليقى لتبقى على الاستفسار فقط

سيف الاسلام يقول...

يعنى حضرتك عايز تقول ان الاخوان كانوا تابعين وعملاء للملك

والا ايه

مش فاهم قصد حضرتك يا استاذ منعم